حين يصبح الانتظار بوابة للقراءة
المقدمة:
في أوقات الانتظار، تمتلئ المقاعد بالوجوه العابرة، كلٌ منهم غارق في شاشاته، بينما يندر أن ترى يدًا
تحمل كتابًا. وليس في كل أماكن الانتظار من اعتاد أن يصطحب معه كتابًا، حتى تساءلت بيني وبين
نفسي: لماذا لا نحمل كتابً كما نحمل الهاتف؟ ألسنا نأخذه معنا إلى كل مكان؟
ألم يخطر ببالك يومًا مقدار ما تصنعه بنا شاشات الهواتف؟ تلك المقاطع القصيرة، والتنبيهات
المتلاحقة، والتشتت الذي ينساب إلى عقولنا دون أن نشعر... لا تُشبع فكرًا، ولا تُري روحًا،
بل تملأ الذهن بما لم نختاره، وبما لم نُرد يمًا أن نراه.
فلماذا نتمسك بالهاتف طوال الوقت؟
لأننا من حيث لا ندري أصبحنا نخشى الفراغ، ونهرب من الملل والتوتر والمشاعر الثقيلة. فنلجأ إلى التمرير
المستمر، مع علمنا أنه مجرّد مسكّن مؤقت. ولم نفكر في حلٍ بسيط، قريب، يكاد يكون أمام أعيننا: ورقة
وقلم. نكتب ما نشعر به، نحلّل أفكارنا، نفهم ذواتنا، ونمنح أرواحنا فرصة للبوح بعيدًا عن ضجيج الشاشة.
ماذا لو استبدلنا الهاتف بالكتاب؟
تخيّل أن تحمل كتابًا بدل الهاتف... أن تفتحه في لحظات الانتظار، فيتحوّل الوقت من فراغٍ ثقيل إلى
مساحة للنموّ ولاكتشاف. ستدخل في حالة قراءة عميقة، يتّسع فيها ذهنك، ويهدأ قلبك ويصفو
حضورك. فلكتب تمنحك تركيزًا أطول، وتعيد إليك هدوءك الداخلي، وتفتح لك آفاقًا لم ترقَ إليها
عينٌ ولم تطأها قدم وستجد نفسك في رحلة ممتعة دون أن تغادر كتبًا... كم سيغدو المكان أجمل
بعناوين الكتب، وألوان أغلفتها، وأسماء مؤلفيها التي تتناثر بين الأيدي.
كيف يكون التحوّل سهلاً؟
* أحمل كتابًا خفيفًا لا تتجاوز صفحاته المئتين، واجعله رفيقك الدائم.
* خصص كتابًا للانتظار، كتابً ممتعًا، يفتح شهيتك للقراءة.
* ستصادف في صفحاته كلمات ليست كأي كلمات؛ تلامس مشاعرك، وتكشف أفكارك، وتقربك من عوالم
لم تصل إليها.
* ستتعرف إلى شعوب وثقافات وتواريخ لم يخبرك عنها أحد.
فلكتاب الذي تختاره بعنايه يشبه ثوبًا ترتديه؛ يعكس ذوقك، ويقودك إلى العالم الذي ترغب في دخوله.
ختامًا:
ليتنا نحمل معنا كتابًا نختاره كما نختار صديقًا، يرافقنا في أوقات الانتظار، ويخفّف من ثقل اللحظات،
ويمنحنا أثرًا لا تتركه المقاطع السريعة ولا الشاشات اللامعة.
فيا قارئي العزيز... لعلّك جربت يومًا أن تحمل كتابًا في لحظة انتظار، فغير تلك الحظة إلى شيء يشبهك.
فما هو الكتاب الذي تقرأه في هذا الشهر؟
