![]() |
العزلة المُكرهة
المقدمة:
ما دفعني إلى الكتابة عن هذا الموضوع هو ما يدور في فضاءات التواصل الاجتماعي حول العزلة،
ولاحظت أن كثيرين يطرحونه بسطحية أو بخلطٍ بين أنواعه. ولأن العزلة ليست قالبًا واحدًا،
بل حالات متباينة في دوافعها وعمقها، رأيت أن أتوقف عند نوعين يلتبسان على البعض،
رغم اختلافاتهما الجوهرية.
اضطراب الشخصية الانعزالية:
ثمة عزلة تنشأ عن اضطراب الشخصية الانعزالية؛ عزلة قسرية لا يختارها صاحبها، بل يجد نفسه
منسحبًا من المجتمع، ميّالًا إلى الوحدة، غير راغب في بناء علاقات. وقد تُسمّى العزلة الوجودية،
وهي من أشدّ صور الوحدة فتكًا، لأنها تتسلل إلى النفس دون أن يشعر صاحبها بخطورتها.
قد يُدفع الإنسان إليها دفعًا بسبب موقف صادم أو تجربة قاسية، فتتركه عالقًا في فُوَّهةٍ وحيدةٍ
سلبية، حتى وإن كان محاطًا بالناس. إنها حالة يشعر فيها بأنه لا يشبه أحدًا، وأنه غير
مرئي، وكأن وجوده لا يترك أثرًا في المكان.
ما ينتج عن هذه العزلة:
ما يتولّد عن هذه العزلة غالبًا هو انكماش الإنسان داخل دائرة ضيقة يعجز فيها عن الاندماج مع من حوله.
قد يُساء فهمه بسبب مظهره البسيط أو شخصيته الهادئة، فيُفسَّر على أنه خجول أو غامض أو انطوائي،
بينما الحقيقة أن بساطته قد تُثير غيرة البعض ممن اعتادوا الاستعراض لنيل القبول. ومع ذلك، قد يدرك
هو هذا التعقيد، فيتعمّق شعوره بالوحدة، ثم يُتَّهَم ظلمًا بأنه هو من اختار العزلة، بينما الواقع أنه وقع
فيها ولم يخترها.
الإدراك بالحالة الشعورية:
لا يخرج الإنسان من هذه الدائرة إلا عبر متخصص يدرك طبيعة هذه الحالة، ويعينه على فهم مشاعره،
شرط أن يمتلك هو نفسه استعدادًا للاعتراف بما يمرّ به، وأن يعي أن الشعور ليس قدرًا ثابتًا،
بل حالة قابلة للتغيير.
الخلوة:
في المقابل، هناك عزلة إيجابية تُسمّى الخلوة؛ وهي عزلة يختارها الإنسان بوعي، ليمنح نفسه مساحة
شخصية يمارس فيها هواياته، أو يتعلم شيئًا جديدًا، أو يستعيد طاقته. إنها عزلة تُنعش الروح،
وتعيد ترتيب الداخل، وتُهيّئه لاستقبال يوم جديد بطاقة ونشاط، ليكمل مسيرته بإنجاز واتزان.
ختامًا:
أتمنى أن يعي كل مربي حساسية هذه المرحلة التي قد يمرّ بها المراهق، وأن يبحث ويسأل قبل أن يحكم،
فالمظهر الخارجي ليس مرآة صادقة لما يجري في الداخل. ولمن يعيش هذه التجربة، أتمنى أن يتجاوزها،
وأن يتعلم منها، وأن يدرك أن العزلة القسرية ليست قدرًا، وأن الخروج منها ممكن حين نرى أنفسنا بوضوح.
