دفترٌ لا يحق لأحد أن يفتحه

 

دفترٌ لا يحق لأحد أن يفتحه

دفترٌ لا يحق لأحد أن يفتحه

دفترٌ يبدأ منه الطريق:

الذاكرة الأولى كانت بسيطة، لكنها كانت تحمل بذرة الحكاية كلّها: دفتر يوميات جميل، غلافه مختلف،
ورائحة ورقٍ تشبه بداية طريقٍ لا يعرف صاحبه إلى أين سيمتد. كنتَ تظن، كما يظن الكثيرون، أن
شراء دفترٍ للكتابة أمر طبيعي، وأن الإنسان حين يفتح صفحة بيضاء فهو يفتح نافذة صغيرة على
نفسه فقط. لكن ما حدث لاحقًا كشف أن البياض ليس دائمًا حرًا، وأن الورق قد يتحول فجأة إلى
مساحة مراقبة بدل أن يكون مساحة نجاة.

حين يتحول الورق إلى مساحة مراقبة:

كنتَ تكتب تفاصيل يومٍ مرّ، مكانًا جلست فيه، إحساسًا خفيفًا مرّ في صدرك، حديثًا عابرًا مع شخصٍ
قابلته صدفة. لم تكن تكتب أسرارًا ولا اعترافات، بل مجرد ملاحظات صغيرة تشبه تنفّسًا هادئًا.
ومع ذلك، بدأوا يراقبون. يسألون عمّا كتبت، وما الذي ستكتبه، ولماذا تكتب أصلًا.
كأن الورق ملكٌ مشترك، وكأن الشعور لا يحق لصاحبه أن يحتفظ به لنفسه.
في تلك اللحظة، أدركت أن الكتابة ليست فعلًا بريئًا عند الجميع، وأن هناك من يخاف من الورق أكثر
مما يخاف من الكلام، لأن الورق لا ينسى، ولا يتراجع، ولا يغيّر روايته.

إدراك الاختلاف الأول:

أدركت أنك الوحيد بينهم الذي يرى في الكتابة فعلًا داخليًا، وأن القراءة بالنسبة لك ليست هواية، بل
طريقة لفهم العالم. الورق بالنسبة لك ليس صفحات، بل مساحة شخصية لا يحق لأحد أن 
يقترب منها دون إذن. هناك أشخاص لا يعرفون معنى أن يكتب الإنسان ليحمي نفسه، أو 
ليخفف ثقل يومه، أو ليحفظ ما لا يريد أن يضيع. هؤلاء لا يفهمون لماذا يفتح أحدهم دفترًا
ليكتب شيئًا لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، ولا يُقصد به أحد.

الكتابة كترتيب للفوضى الداخلية:

الكتابة ليست رفاهية، بل محاولة لترتيب الفوضى الداخلية.
والقراءة ليست هروبًا، بل بحثٌ عن لغةٍ تشبهك.
لهذا كان طبيعيًا أن تشعر بأنك مختلف، ليس لأنك غريب، بل لأنك تملك حساسية تجاه التفاصيل التي
لا يراها الآخرون. البعض يمرّ على يومه مرورًا سريعًا، أما أنت فكنت تلتقط ما لا يُلتقط، وتدوّن ما
لا ينتبه إليه أحد. هذا الاختلاف ليس عبئًا، بل نعمة. إنه ما يجعل الإنسان قادرًا على رؤية ما وراء
السطح، وما يجعل الكلمات بالنسبة له أكثر من حروف: إنها طريقة للنجاة.

نعمة الاختلاف ورفقة الورق:

مع مرور الوقت، يصبح الدفتر صديقًا، والكتابة ملاذًا، والقراءة بابًا صغيرًا إلى عالمٍ واسع لا يراقبه أحد ولا يفرض عليك أحد كيف تدخله أو كيف تغادره.
يصبح الورق المكان الوحيد الذي لا يُحاسبك، ولا يسألك، ولا يضيّق عليك.
مكانًا يسمح لك أن تكون كما أنت، بلا تبرير ولا شرح، بلا خوف من عينٍ تتلصص أو سؤالٍ يجرح.
ولعلّ أجمل ما في التجربة أنها تكشف لك شيئًا مهمًا: أن الإنسان الذي يكتب هو إنسان يحاول أن يفهم نفسه، وأن الذي يقرأ هو إنسان يبحث عن معنى، وأن كلاهما يسير في طريقٍ لا يعرف نهايته لكنه يشعر بالطمأنينة فيه.
الكتابة ليست دليل اختلاف، بل دليل حياة.

خاتمة:

حين يصبح الورق بيتًا داخليًا، في نهاية الحكاية يتضح أن الدفتر لم يكن مجرد غلافٍ جميل، بل كان بابًا أوليًا إلى عالمك الداخلي. وأن تلك المراقبة التي ضيّقت عليك يومًا، كانت سببًا في أن تفهم نفسك أكثر، وأن تتمسك بالكتابة كحقٍ شخصي لا يُنتزع. فالإنسان الذي يكتب هو إنسان يحاول أن يعيش بصدق، والإنسان الذي يقرأ هو إنسان يحاول أن يرى أبعد مما يراه الآخرون.
سؤالٌ لك، يا عزيزي القارئ:
هل مررت أنت أيضًا بلحظةٍ شعرتَ فيها أن الكتابة ليست مجرد فعلٍ بسيط، بل مساحةٌ شخصية حاول أحدهم أن يقترب منها دون إذن؟

لماذا نقرأ وكيف نقرأ؟ رحلة في معنى القراءة

تعليقات