غربة القارئ

 
غربة القارئ

غربة القارئ

المقدمة:

سألني سائلًا في مقهى صغير ماذا فعلت بك الثقافة لأراك كل يوم تأتي إلى هنا ومعك كتاب؟ فأجبته بعد صمت لقد جعلتني غريبًا وأحيانًا منبوذًا، لكني أحببت الكتب ليس لأن يراني أحدٌ مثقفًا، بل هو دافع فضول لأفهم نفسي التي عجز العالم عن فهمها، وأتعرف على أشخاص حولي وأشخاص لا أعرفهم.

وحدة القراءة:

لم تكن القراءة بالنسبة لي هواية تُمارس في وقت الفراغ، بل كانت مساحة خاصة أهرب إليها كلما ضاقت بي الحياة. كنت أجد في الصفحات ما لا أجده في الناس، وأسمع في الكلمات ما لا يُقال في الجلسات اليومية. صرتُ أجيء إلى هذا المقهى كمن يعود إلى بيته الثاني، أضع كتابي أمامي، وأترك العالم يمرّ من حولي دون أن يلمسني. ربما بدوت غريبًا في نظر البعض، لكن الغرابة كانت بالنسبة لي خلاصًا من ضجيج لا يشبهني. في كل مرة أفتح فيها كتابًا، أشعر أنني أفتح نافذة جديدة على نفسي، نافذة لم يجرؤ أحد على فتحها قبلي.

العزلة التي تصنع الإنسان:

العزلة ليست دائمًا هروبًا، بل قد تكون بحثًا عن صوتٍ ضاع وسط الأصوات الكثيرة. كنت أحتاج إلى مساحة أسمع فيها نفسي دون تشويش، والكتب منحتني تلك المساحة. في العزلة، يتكشّف الإنسان أمام ذاته، يرى ضعفه وقوته، ويواجه أسئلته المؤجلة. لم أعد أخاف من الجلوس وحدي، بل صرت أخاف من الجلوس مع من لا يفهمون صمتي. الكتب جعلتني أرى أن الوحدة ليست نقصًا، بل حالة نضج، وأن الإنسان لا يكتمل إلا حين يعرف كيف يكون مع نفسه قبل أن يكون مع الآخرين.

الكتب كمرآة للروح:

كل كتاب قرأته كان مرآة صغيرة أرى فيها جزءًا من نفسي. بعض الكتب كشفت لي جراحًا لم أكن أعلم بوجودها، وبعضها منحني عزاءً لم أتوقعه. هناك كتب جعلتني أبكي، وأخرى جعلتني أبتسم دون سبب واضح. كنت أتعرف على نفسي من خلال الشخصيات، أرى ملامحي في حواراتهم، وأسمع قلقي في صمتهم. الكتب لم تكن مجرد أوراق، بل كانت أرواحًا تكلمني، ترشدني، وترافقني في الطرق التي لم أجرؤ على السير فيها وحدي.

 غربتي بين الناس:

الغربة التي صنعتها الثقافة لم تكن غربة مكان، بل غربة شعور. حين تتسع رؤيتك للعالم، تضيق بك بعض العلاقات، وتصبح غير قادر على الانسجام مع أحاديث لا تشبهك. كنت أرى أن بعض الناس يمرّون على الحياة مرورًا سريعًا، بينما كنت أريد أن أتوقف عند التفاصيل، عند المعاني الصغيرة التي لا ينتبه لها أحد. لذلك بدوت غريبًا، وربما منبوذًا، لكنني لم أعد أرى في ذلك مشكلة. الغربة التي تأتي من المعرفة ليست عيبًا، بل علامة على أن روحك تبحث عن شيء أعمق مما يقدمه العالم السطحي.

 الأشخاص الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم:

في الكتب تعرفت على أشخاص لم أقابلهم يومًا، لكنهم صاروا أقرب إليّ من كثير ممن حولي. شخصيات الروايات، الكتّاب، المفكرون، وحتى أولئك الذين عاشوا قبل قرون، كانوا يمدّون لي يدًا خفية كلما شعرت بالضياع. أما الأشخاص الذين أعرفهم في الواقع، فكنت أراهم من زاوية جديدة بعد القراءة؛ صرت أفهم دوافعهم، مخاوفهم، وحتى صمتهم. الكتب جعلتني أرى البشر بعمق أكبر، وأدرك أن كل إنسان يحمل قصة لا تُقال، وأن فهم الناس يبدأ من فهم الذات أولًا.

 لماذا أعود إلى المقهى كل يوم؟

أعود إلى هذا المقهى كل يوم لأنني وجدت فيه مساحة لا يحاسبني فيها أحد على صمتي، ولا يسألني أحد لماذا أقرأ. هنا، بين رائحة القهوة وصفحات الكتب، أستعيد جزءًا من نفسي. ربما لن يفهم الجميع هذا الطقس اليومي، لكنني لا أبحث عن فهمهم. يكفيني أن الكتب تفهمني، وأن هذا المكان يحتضن غربتي دون أن يطالبني بالتبرير. الثقافة لم تجعلني أفضل من أحد، لكنها جعلتني أقرب إلى نفسي، وهذا وحده يكفي ليجعلني أعود كل يوم ومعي كتاب جديد وقلب أكثر هدوءًا.

ختامًا:

ولعلّي، وأنا أغلق هذا الحديث، أتمنى شيئًا صغيرًا يشبه ما تمنّيته لنفسي يوم بدأت أقرأ: أن يجد كل قارئ زاويته الخاصة في هذا العالم، زاوية لا يُحاسَب فيها على صمته، ولا يُطالَب فيها بتفسير شغفه، ولا يُنظر إليه كغريبٍ لأنه اختار أن يصغي إلى الكتب أكثر من ضجيج الناس. أتمنى أن تكون القراءة لك — كما كانت لي — يدًا خفية تربّت على روحك حين تثقلها الأيام، وأن تفتح لك نافذة ترى منها نفسك بوضوح أكبر.
ولعلّ السؤال الذي أتركه بين يديك الآن:
ما الشيء الذي تبحث عنه أنت حين تفتح كتابًا؟
هل تبحث عن نفسك؟ عن عزاء؟ عن معنى؟ أم عن طريقٍ لم يجرؤ أحد على رسمه لك؟
وإن وجدت في هذه الكلمات ما يشبهك، أو ما يلامس شيئًا خفيًا في داخلك، فدعني أدعوك بلطف إلى أن ترافقني في ممرّات الحبر؛ تلك المدونة التي أحاول فيها أن أكتب كما لو أنني أضع قلبي على الورق، وأتركه يمشي معك خطوة بخطوة.
ربما تجد فيها ما يطمئنك، وربما تجد فيها سؤالًا جديدًا، وربما — وهذا ما أرجوه — تجد فيها نفسك.

دفترٌ لا يحق لأحد أن يفتحه


تعليقات